محمد أبو زهرة

2047

زهرة التفاسير

وعلى ذلك تكون النية المطلوبة في الوضوء عند الذين قرروها - القصد إلى الوضوء مبتغين رضا الله تعالى ، ويستدلون على فرضيتها في الوضوء بأن الوضوء عمل من أعمال القربات ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » « 1 » . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن النية في الوضوء ليست بفرض ، لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة ، ولكنه وسيلة للعبادة ، والنية شرط في العبادة نفسها باعتبارها المقصد ، وليست فرضا في الوسيلة ، بل الوسيلة تتحقق بمجرد تحقق الغسل للأعضاء المذكورة والمسح للرأس ، فمن حصل منه هذا ، ولو لم يقصد العمل لأجل الصلاة يتحقق الوضوء ، ويستدلون على أن الوضوء وسيلة للعبادة بظاهر الآية ، إذا كان النص الكريم : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فهو شرع سبيلا لعبادة ووسيلة ، وليس غاية . والأمر الثاني الذي يفيده ظاهر النص إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ : وهو أن الوضوء واجب عند التهيؤ والقيام لكل صلاة ، فالوضوء واجب لكل صلاة ، وبذلك قال الظاهرية ، فقالوا : إن الصلاة واجبة لكل مفروضة ، وأخذوا في ذلك بظاهر النص الكريم ، ولكن الثابت في السنة غير ذلك ، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه فصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد ، فقال له عمر رضى الله تعالى عنه : « صنعت شيئا لم تكن تصنعه » فقال صلى الله عليه وسلم : عمدا فعلته » « 2 » . ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم فعله عمدا في هذه الجموع الحاشدة ليبين أنه ليس بفرض أن يتوضأ لكل صلاة . فدل هذا على أن

--> ( 1 ) متفق عليه وقد سبق تخريجه . ( 2 ) رواه الترمذي : الطهارة - يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ( 61 ) ، والنسائي : الطهارة - الوضوء لكل صلاة ( 133 ) ، عن بريدة بن الحصيب ، كما رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة بلفظ : « عمدا صنعته » .